ابراهيم رفعت باشا
285
مرآة الحرمين
صورة وقفية الكسوة الشريفة بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي رفع القبة الخضراء ، ووضع بساط الغبراء ، وسمك في سمائه الأفلاك ، وملك في أرضه الأملاك ، ففتح مناهج الملك والدولة الغراء ، بيمن وقاية السلاطين ، وحسن رعاية الأمراء ، وجعل الكعبة البيت الحرام لشعائر الدين الزهراء ، ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ) واستسعد بحجة يوم الجمراء ، ثم الصلاة والسلام على سيد الأنبياء ، محمد أعلم الرسل الأعلام والأبناء ، وعلى آله الكرام الأتقياء ، وأصحابه العظام الأصفياء ، نمقه العبد المحتاج إلى عفو ربه الصمد . محمد بن قطب الدين محمد ، القاضي بالعساكر المظفرة المنصورة في ولاية أناطولى . أما بعد فهذا وثيقة أثيقة بديعة المعاني والبيان ، هادية منمقة أنيقة بليغة المباني والتبيان ، توارى عباراتها راحا رحيقا ، بل هي أصفى ، وتجارى استعاراتها مسكا سحيقا بل هي أزكى ، يشعر عما هو الحق القاطع ، ما حواه فحواها ، ويخبر عما هو الصدق الساطع ، ما أدّاه مؤدّاها ، وهو أنه قد بان لكل ذي عقل سديد ، أن الدنيا الدنية قنطرة العابرين ، ورباط المسافرين ، يحل هذا ويرحل ذاك ولا يدرى أحد إلا ويمتطى صهوتى أدهم الليل وأشهب النهار ويسير مع السائرين إلى منتهى الآجال والأعمار ، وهي للموعظة ما قال سيد الكائنات « 1 » ، عليه أفضل الصلوات ، « استمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت » ، فلا ريب أن العاقل من اعتبر من الرواحل واتخذ فيها لرحيله ذخيرة وزادا ، وادّخر لمقامه الباقي عدّة وعتادا ، بالصدقات التي ينال بها النجاة ، ويتوسل بها إلى الجنات ، على ما نطق به القرآن ، وحديث رسول الرحمن ، حيث قال عز من قائل ( إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) والمتصدّقات وقال عليه الصلوات التامات ، « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له » ألا وهي الوقف .
--> ( 1 ) المعروف ان هذه الجمل من خطبة قس بن ساعدة التي ألقاها بسوق عكاظ وشهدها النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل عهد الرسالة .